إبراهيم المليفي
صور : سليمان حيدر
حين تطأ قدماك هذه الجنّة الإستوائية المطيرة ستشعر بأنك عدت من جديد الى نقطة بداية الرحلة التي قطعتها. فأنت في كوبا نادرا" ما تشعر بغربة المكان واختلاف البشر من حولك. فالتماثل المطلوب لطرد احاسيس الغربة والإختلاف ليس شرطا" اساسيا" في هذه الجزيرة الواقعة في حوض البحر الكاريبي، فالإبتسامة الصافية وشفافية المشاعر هما الوطن الذي يبحث عنه كل مغترب، وما دون ذلك مجرّد تفاصيل يمكن التغلب عليها مع مرور الوقت.
شمس دافئة طوال العام وغيوم كثيفة تحجب الحرارة الزائدة في الوقت المناسب، عاصمة ملوّنة بعمائرها وسكانها الذين مزجهم التاريخ بعزاته ومهاجريه، وشعب ينبذ الغضب ويعشق موسيقى السلسا حتى الثمالة ويريدها دوما" ان تتسلل الى اذنيه من كل شارع وزقاق، واخيرا" تاريخ عريق من النضال ضد الإستعمار والهيمنة الخارجية لا يجد المرء بدا من الوقوف احتراما" له.
انها حقا" بيئة محرّضة على المكوث فيها. ولم لا؟ فآرنست همنجواي صاحب رائعة " العجوز والبحر" وقع اسير جمالها لعشرين عاما" كاتبا" وعابثا"، ومن سلم من سحرها وقع في براثن سيجارها الفاخر مثل ونستون تشرشل اعظم سياسي مرّ على بريطانيا في القرن الفائت ولطالما قال " كوبا دوما" على شفاهي".
العم سام في ضيافة العم فيدل
بعد خمس عشرة ساعة من التحليق غير المتواصل فوق قارتين ومحيط مهيب وصلنا الى مطار خوسيه مارتي في العاصمة الكوبية هافانا، كانت الساعة تشير الى اثامنة مساء مما يعني ان ظلام الليل سيحجب عنا مشاهدة ما تبقى من حياة المدينة ونشاطها، كنا نبحث عن المفاجآت منذ دقائقنا الأولى في البلاد التي حبست انفاس العالم يوما" وكادت بسببه ان تنشب الحرب العالمية النهائية بين العملاقين روسيا وأمريكا فيما كان يعرف بأزمة الصواريخ الكوبية، ولم تمهلنا المفاجآت طويلا" فما ان تسلمنا حقائبنا حتى علمنا ان الدولار الأمريكي مشرع الإستخدام في كوبا منذ عام 1993 ولا حاجة لتبديله بالعملة المحلية " البيزو".
المفاجأة الثانية تمثلت في السياح الأمريكيين الذين يأتون الى كوبا عن طريق دول مجاورة لها – مثل جامايكا – متحدين بذلك قرارات الحظر التجاري التي فرضتها حكومتهم على هافانا، وهؤلاء السياح لا تختم جوازات سفرهم لتسهيل زيارتهم لكوبا. المفاجأة الأخيرة هي خلو المطار وجميع شوارع هافانا كما شاهدنا لاحقا" من صور الزعيم فيدل كاسترو رئيس الدولة وبدلا" منها كانت صور وتماثيل البطل القومي الكوبي خوسيه مارتي والثائر الأممي تشي جيفارا هي التي تملأ الشوارع والميادين العامة.
الشخصية الكوبية المستقلة
في صباح اليوم التالي الذي بدأ برطوبة خفيفة كنا في جولة استكشافية لمعالم هافانا بشطريها، القديم والحديث الذي بدأ العمل به منذ نجاح الثورة عام 1959 – ومن منطقة ميرامار في هافانا الجديدة انطلقنا، وكان لافتا" منذ البداية هدوء تلك المنطقة التي تحيط بمنازلها الخفيضة الأشجار الخضراء المورقة، وهو ما جعلها بطبيعة الحال المكان المفضّل لغالبية البعثات الدبلوماسية في هافانا، وفي طريقنا نحو مارينا همنجواي طلب علينا بشموخ عجيب بعض المباني والقصور المهجورة من مخلفات انظمة ما قبل الثورة وقد ملئت ساحاتها الفسيحة بأكوام من حشائش النسيان.
تركنا هافانا الجديدة واتجهنا نحو الشطر القديم منها وشيئا" فشيئا" بدأ الناس وزحمة المرور بالتكثف حول مواقف الباصات المسمّاة في كوبا (الجمل)، وتعاني كوبا التي يتجاوز عدد سكانها عشرة ملايين نسمة من ازمة مواصلات نتيجة قلة السيارات وعلاء اسعار المحروقات الأمر الذي دفع الكثير من الناس الى استخدام الدراجات الهوائية والنارية المنخفضة التكاليف، ووفرّت السلطات سيارات تاكسي صغيرة الحجم تتسع لشخصين فقط بأسعار زهيدة لحل هذه الأزمة او التخفيف من مظاهرها.
في منطقة ماليكون الساحلية تنتصب امامنا عشرات العمارات الملوّنة التي يصطدم بها الهواء المنعش المندفع بقوّة من الخليج المكسيكي، وفنادق عبث عصابات المافيا الأمريكية في الزمن الغابر، وقبل ان نصل بقليل الى النقطة التي سنبدأ منها اكتشاف هافانا القديمة، شاهدنا سوقا" صغيرة لبيع اللوحات الزيتية المعبرة عن الحياة الكوبية ومئات القطع من التذكارات والهدايا الخفيفة، في هذه السوق الضيّقة يمكن رصد جميع الأجناس التي انصهرت بيضا" وزنوجا" وملونين لتنتج لنا الشخصية الكوبية المستقلة، ففي كوبا الكل يميل الى الشرح والإسهاب – كالعرب تماما" – والكل يفيض بالعاطفة الحارة مثل شعوب امريكا اللاتينية، والكل يتحلى بالتسامح مثل دول جنوب شرق آسيا،
وساهمت بعض الأحداث الدولية في تركيبة الشعب الكوبي، الذي تكون في البداية من الإسبان والعبيد الذي تمّ جلبهم من افريقيا، والثورة التي نشبت في جزيرة هاييتي نهاية القرن الثامن عشر دفعت بأعداد كبيرة من الفرنسيين للإستقرار في مدينة سانتياغو، وعندما بدأت الأزمة الإقتصادية في اسبانيا 1921 قامت موجة هجرة كبيرة منها نحو كوبا، وهناك الهجرة العربية التي سنتعرض لها لاحقا".
السيجار الكوبي … انت في بلد المنشأ
الحديث عن كوبا في اي محفل دون ذكر سيجارها الفاخر بنوعية الكوهيبا وروميو وجولييت حديث غير مكتمل الأركان، فالإثنان مرتبطان بزواج كاثوليكي ابدي، قد يصاب عشاق السيجار حول العالم بأزمة او أزمات قلبية عند زيارتهم لكوبا فسماء هافانا تمطر سيجارا" من كل حدب وصوب، لطالما تكبدوا مشقة البحث عنه وبأسعار باهظة، وخلف مبنى الكابيتوليو الضخم نهاية شارع مارتي يقع مصنع بارتاجاس للسيجار الذي شيّد في منتصف القرن التاسع عشر، وجدد في السنوات الأخيرة ليصبح اكثر تألقا" وإشراقا".
داخل المصنع يمكن مشاهدة خط انتاج السيجار من لحظة احضار اوراق التبغ حتى استلقاء السيجار في حضن علبته، ويجلس عشرات العمّال المهرة في صفوف يلفون ويقطعون ويضغطون اوراق التبغ في سرعة خيالية، وتتم حماية اوراق التبغ في الحقول من اشعة الشمس الإستوائية الحارقة بلفها بقطع من القماش لضمان سلامتها. يقول احد عمّال مصنع بارتاجاس عن افضل انواع السيجار التي يصنعها " انها تلك التي تلف من ورقة واحدة مع ضغط متوسط، لأن الضغط الزائد يجعل تدخين السيجار صعبا" والضغط الخفيف يحرق السيجار بسرعة". وعندما سألناه عن حكاية السيجار الذي يلف على سيقان العذارى ضحك قليلا" وقال " انها مجرّد اسطورة فعملية اللف تتم على اللوحة المعدنية التي امامي وما يوضع على الساق من اوراق هو تجميع قبل اللف وهي عملية يقوم بها الجميع وليست مقصورة على العذارى". وينتج عمّال مصنع بارتاجاس ما يزيد على خمسة ملايين سيجار سنويا".
وفي كوبا سوقان للسيجار احداهما رسمية والثانية سوق سوداء، وفي السوق الأولى التي يباع فيها السيجار في محلات انيقة يصل سعر اغلى علبة سيجار تضم 25 حبة الى 350 دولارا" امريكيا" غير قابلة للتفاوض، وهذا السعر بمقياس زوّار كوبا اكثر من معقول مقارنة بأسعاره خارج كوبا، وتسمح محلات السيجار الحكومية لزبائنها بتجريب النوع الراغبين في شرائه وكل علبة تخرج من المحل مختومة بختم الجودة وفاتورة تثبت شرعية الحصول عليها.
في السوق السوداء الوضع مختلف تماما" فالسيجار يباع بالمفرق وبعلب لمن اراد بأسعار زهيدة ولكن مشكلة هذه الأنواع انها غير مضمونة الجودة فبعضها لف بطريقة غير متقنة وبعضها الآخر مليء بالنشارة ، وتأتي مصادر السوق الوسداء من السيجار من المنازل والورش وبعض الكميّات التي تمّ الحصول عليها بطريقة ما من مصانع الدولة.
وتصادر السلطات الكوبية في المطارات والموانئ جميع علب السيجار المشتراة من السوق السوداء ولا تسمح بالمرور الا لمن يمتلك فاتورة الشراء وختم الجودة، وكنوع من حسن الضيافة لا تمانع السلطات للسياح بأخذ علبتين من السوق السوداء وما يزيد يصادر.
ترميم هافانا العجوز
ان مدينة هافانا القديمة – التي اعلنتها منظمة اليونسكو عام 1982 موّقعا" تراثيا" عالميا" – مدينة مفتوحة الأفق لا يشعر من يتلمس شوارعها بالإختناق الإسمنتي، فالشمس تسطع في دواخلها طوال اليوم، ومركزها مثل اطرافها يمكن مشاهدة البحر من خلاله. ومن صممها جعل الضياع فيها من المستحيلات، هي اشبه بمستودع لا نهائي مليء بالتحف والمقتنيات الثمينة، فما ان تحمّل واحدة حتى تظهر خلفها او اسفلها واحدة اجمل وأغلى منها وهكذا دواليك، فساحة البلازا دي ارماس مثلا" الشهيرة بسوق الكتب القديمة والمستعملة لا تستطيع الوصول اليها دون ان تشاهد العشرات من المواقع الأثرية، أضخمها قلعة ديل مورو المبنية عند رأس خليج هافانا تقابلها على الضفة الأخرى قلعة سان سلفادور دي لا بوينتا، وكأن القلعتين بوابة الدخول الى خليج هافانا، وما ان تقترب من البلازا حتى تمر بجانب قلعة لو فويرزا المحاطة بالمياه من جميع الإتجاهات، وإذا ما اعتقدت انك انتهيت جاءك من يقول لك: هل زرت قصر الحاكم الإسباني ايام الإستعمال؟ وهو بالمناسبة يطل على سوق الكتب القديمة والمستعملة.
لقد رصدت الحكومة الكوبية ما قيمته 30 مليون دولار للمحافظة على الأجزاء القديمة من هافانا التي شيدها المستعمرون الإسبان في عام 1519 م. وكلف مؤرخ المدينة اوزيبيو ليال بهذه المهمة منذ السبعينات وقد بدا العمل الفعلي منذ عشر سنوات، عندما أعاد هو وفريقه المكوّن من ستة آلاف شخص قصرا" جميلا" الى الحياة في شارع لامباريا تم بناؤه في القرن التاسع عشر، ويواجه مشروع ليال الكثير من المصاعب من بينها عامل الزمن وهو يقول " هناك وقت محدود لإنقاذ الأشياء والمباني التي ستزول للأبد"، كما يواجه انتقادات مفادها ان عمليات الترميم تستهدف فقط الأماكن الأرستقراطية التي يفضلها السياح، في حين ان وسط هافانا المليء بالمباني والكنائس بقي على حاله، وليال نفسه يقول : " امامنا الكثير من العمل ولا يزال نصف هافانا اطلالا".
وبعد قطاع السياحة المتنامي في كوبا الشريان المحرّك للإقتصاد الوطني بعد ان تجاوز قطاع السكر المتعثر. ويزور البلاد مئات الألوف من السائحين القادمين من اوربا وكندا وغيرهما يحرصون بصورة خاصة على زيارة المدينة القديمة ومعالمها التاريخية والجلوس في مقاهيها للإستماع لموسيقى السلسا وأغنية جوانتاناميرا الشهيرة.
أين انتم يا شباب الخمسينات ؟
منذ ان غادرنا مطار خوسيه مارتي وانا اتابع فيلما" حيا" للسيارات الأمريكية القديمة التي لم اشاهدها الا بالأفلام القديمة، كنت اعتقد ان المسألة سوف تتوقف عند بضع عشرات من السيارات ولكن الرقم ارتفع بصورة جنونية كلما تجوّلت اكثر في هافانا، وغالبيتها يتوقف عند تاريخ بداية الحظر التجاري الأمريكي على كوبا بداية الستينات، وان الجلوس على سور الواجهة البحرية في مالكون، البحر الى خلفك يعني افضل فرصة لمشاهدة عشرات السيارات القديمة بألوانها الزاهية وهي تقطع الطريق امامنا ذهابا" وايابا"، فورد خضراء موديل 57 تتبعها بلايموث حمراء قانية موديل 56 بعدها بقليل بويك بلونين اصفر وابيض موديل 56 ثم كاديلاك زرقاء موديل 50 وشفروليت بيضاء بغطاء ازرق موديل 1950 تتسابق بصورة هزلية، وهكذا يستمر عرض السيارات الى ما لا نهاية. ولم نترك هذا المشهد الذي يحمل الكثير من الدلالات دون سؤال فالبعض زعم ان ملكية تلك السيارات تعود الى أفراد عصابات المافيا والطبقات الغنية قبل ثورة 1959، وفريق آخر قال ان كوبا قبل الثورة كانت من أغنى الدول في امريكا اللاتينية، وأصحاب بعض تلك السيارات الذين سمحوا لنا بتصويرها قالوا لنا نحن نعيش في جزيرة ومفروض علينا حصار تجاري منذ اربعين سنة، إذن من الطبيعي الا تدخل علينا سيارات جديدة، وسياراتنا هذه ليس امامها طريق سوى البحر، ويتم استعمال عشرات السيارات القديمة في السرفي هافانا كتاكسيات وأصحابها يحرصون على الوجود في الأماكن المكتظة بالسائحين الذين يدفعون با




















